شاهد على العصر – حوار مع عبد الناصر عيسى ج 1: ظروف ودوافع وسياق نشأة حماس

[video-mp4]https://media.mcenter.info/wp-content/uploads/2026/04/نشأة-حماس-في-الضفة-الغربية_عبد-الناصر-عيسى-ج1.mp4[/video-mp4]

لمشاهدة الحلقة من مصدرها اضغط هنا

عبد الناصر عيسى شاهد على العصر 1 نشأة حماس في الضفة الغربية 

نص حوار عبد الناصر عيسى ج1: ظروف ودوافع وسياق نشأة حماس

ولد عبد الناصر عيسى في مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة في الأول من أكتوبر عام 1968 لعائلة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، فقد اعتقل والده وحكم عليه بالسجن سبع سنوات، كما قامت السلطات الإسرائيلية بهدم منزل العائلة وتهجيرهم إلى مخيم بلاطة حيث نشأ عبد الناصر وتكونت شخصيته القيادية من خلال مشاركته في التظاهرات والاحتجاجات التي كان يقوم بها أقرانه ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ نعومة أظفارهم.

أصيب عبد الناصر عيسى برصاصة خلال مشاركته في إحدى التظاهرات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 كما أصيب برصاصة أخرى عام 1988.

التحق بجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين عام 1983 حينما كان عمره خمسة عشر عاما، وتتلمذ على يد قادتها في الضفة الغربية آنذاك.

قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله عدة مرات الأولى عام 1985 والثانية عام 1986 والثالثة عام 1988 حيث كان يشارك في الانتفاضة الأولى.

انضم عبد الناصر عيسى إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس من البداية، وكان أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية، فشارك وقاد عمليات عسكرية عديدة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

كما تنقل بين الضفة الغربية وغزة، وقامت بينه وبين معظم قادة حماس في تلك المرحلة علاقات وثيقة مثل الشهداء: يحيى عياش ومحمد الضيف وجمال منصور وغيرهم.

قاد عبد الناصر عيسى العمل الطلابي في الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية بين عامي 1992 و1994.

تمكنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي من اعتقاله في التاسع عشر من أغسطس عام 1995 بعدما أصبح مطاردا لفترة طويلة.

وصفه قائد الشاباك بعد اعتقاله بأنه رأس الأفعى، وتم إخضاعه لعمليات تحقيق صعبة ومعقدة بتهمة تنفيذ عمليتي رامات غان ورامات أشكول، اللتين أدتا إلى مقتل 12 إسرائيليا وإصابة العشرات.

ولأن الإسرائيليين فشلوا في انتزاع أي اعتراف منه رغم وسائل التعذيب البشعة التي استخدمها معه، فقد وصف كرمي غيلون، رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي الشاباك التحقيق معه قائلا: حالة التحقيق مع عبد الناصر عيسى قد حُفرت في الذاكرة الجماعية لجهاز الأمن العام. كما وصفه بأنه على درجة عالية من التنظيم والقيادة.

حكم عليه بالسجن المؤبد مرتين إضافة إلى سبع سنوات.

كان عبد الناصر عيسى من قادة حركة حماس البارزين داخل السجون الإسرائيلية، مما أدى إلى عزله عدة مرات في زنازين منفردة.

حاول الهروب من السجن مرتين، الأولى من سجن عسقلان عام 1997 عبر حفر أحد الأنفاق، والثانية عام 1998 حيث رتب مع الشهيد عادل عوض الله اختطافه خلال نقله للمحكمة.

وفي عام 2005 انتخب عبد الناصر عيسى رئيسا لأول هيئة قيادية عليا لحركة حماس في سجون إسرائيل، وكان في عضويتها كثير من القادة البارزين مثل يحيى السنوار وروحي مشتهى وصالح العاروري وعبد الخالق النتشة وغيرهم.

أكمل عبد الناصر عيسى دراسته العليا خلال وجوده داخل السجون الإسرائيلية، وحصل في العام 2007 على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة العبرية، وعلى درجة الماجستير في الدراسات الديمقراطية عام 2009.

وفي عام 2014 حصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس. أسس مركز حضارات للدراسات الاستراتيجية من داخل سجن رامون عام 2019 وأصدر عددا من الكتب والدراسات التي تم تهريبها ونشرها في الخارج خلال سنوات سجنه، رفضت السلطات الإسرائيلية الإفراج عنه في صفقة وفاء الأحرار عام 2011 وبقي في سجون إسرائيل حتى أفرج عنه في السابع والعشرين من فبراير عام 2025 ضمن الدفعة السادسة من صفقات التبادل بين حركة حماس وإسرائيل خلال معركة طوفان الأقصى، فكان مجموع ما قضاه في السجون الإسرائيلية أربعة وثلاثين عاما، وهذا ما جعله يلقب بعميد أسرى حركة حماس في سجون إسرائيل.

بعد خروجه من السجن مباشرة، استأنف العمل في مركز حضارات الذي أسسه داخل السجن.

وهو يستعد الآن لمناقشة درجة الدكتوراه في العلوم السياسية عن العلاقات الإسرائيلية التركية.

نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر حركة حماس.

 أحمد منصور: أبو حذيفة مرحبا بك.

عبد الناصر عيسى: أهلا وسهلا..

أحمد منصور: حمد لله على السلامة.

عبد الناصر عيسى: ربنا يسلمك إن شاء الله.

أحمد منصور: أربعة وثلاثون عامًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ربما تكون أكثر عمرًا أو أكبر عمرًا من كثير من المشاهدين الذين يتابعون هذا الحوار.

عبد الناصر عيسى: صحيح، الحمد لله رب العالمين.

أحمد منصور: وُلدت في الأول من أكتوبر عام 1968 في مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة. هل لا تزال تذكر مراتع الصبا والطفولة؟

عبد الناصر عيسى: بالتأكيد، ذكريات صعبة. طبعًا نحن نشأنا في ظل وضع خاص: احتلال، واعتقال الوالد كان أول تجربة أذكرها. لا أذكرها بشكل مباشر، ولكن قد تكون أثرت في اللاوعي عندي.

أحمد منصور: والدك اعتُقل بعد عام من ولادتك.

عبد الناصر عيسى: صحيح، في ذلك العام.

أحمد منصور: كان عمرك عامًا واحدًا.

عبد الناصر عيسى: صحيح.

أحمد منصور: والدك كان مناضلًا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

عبد الناصر عيسى: صحيح.

أحمد منصور: وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: فأنت نشأت في ظل أسرة مقاومة.

عبد الناصر عيسى: هذا صحيح، الحمد لله رب العالمين. طبعًا الأسرة المقاومة هي رد الفعل الطبيعي والإنساني لكل اعتداء ولكل احتلال. الحمد لله رب العالمين، ربنا أكرمني بعائلة مناضلة غير خانعة، وغير قابلة بالاستسلام والخضوع للاحتلال.

أحمد منصور: الإسرائيليون ربما هدموا بيتكم بعد القبض على والدك، أو…

عبد الناصر عيسى: عند اعتقال والدي كان هناك قرار بهدم المنزل.

أحمد منصور: نعم.

عبد الناصر عيسى: ولكن بسبب أن المنزل كان بالإيجار، أي ليس ملكًا، فاكتفوا بإغلاقه.

أحمد منصور: وانتقلتم للعيش في مخيم بلاطة.

عبد الناصر عيسى: نعم، عدنا إلى مخيم بلاطة. أصلًا نحن من مخيم بلاطة، لكن الوالد في الخمسينيات انتقل للعيش في مدينة نابلس. كان الوالد، والحمد لله، مثقفًا، ويعمل في إحدى مؤسسات الجمعيات الخيرية. انتقل للعيش في نابلس عدة سنوات، حوالي سبع سنوات، من عام 1961 حتى عام 1969، تاريخ اعتقاله. وهناك تم اعتقاله، ونُقل إلى زنازين التحقيق، ثم إلى سجن بئر السبع وسجن عسقلان.

أحمد منصور: يعني أنك حينما تفتحت عيناك في طفولتك كان والدك في سجون الاحتلال الإسرائيلي؟

عبد الناصر عيسى: نعم. ومن باب المزاح، كنت أقول لأحد الإخوة: أنا لي خمسون سنة في السجن. فقال لي: كيف؟ قلت له: قبلك. فهو لم يكن يعرف أنني كنت أدخل السجن لزيارة والدي وأنا عمري سنة.

أحمد منصور: بمعنى أنك حينما تفتحت طفولتك كنت تزور والدك في سجون الاحتلال.

عبد الناصر عيسى: طبعًا.

أحمد منصور: ماذا ترك ذلك في نفسك؟

عبد الناصر عيسى: بالتأكيد ترك أمورًا قد لا يكون الإنسان واعيًا لها في البداية، لكنه يحللها ويفكر فيها بعد أن يكبر. أما في البداية فلا يخطر في بالك مدى تأثيرها، لأن شخصية الإنسان تُصقل في هذه السنوات: سنتين، ثلاث، أربع، خمس.

أحمد منصور: هل سألت والدتك: لماذا أبي في السجن؟ أو سألت والدك؟

عبد الناصر عيسى: طبعًا. والدتي، رحمها الله، توفيت عام 2012، وكانت إنسانة مناضلة. كانت تعلمنا أن هذا احتلال، وأن هؤلاء يهود احتلوا أرضنا وأخذوا بلادنا وطردونا. هي خرجت عام 1948 وكانت طفلة، حوالي أربعة عشر عامًا.

أحمد منصور: من أي مدينة كانت والدتك؟

عبد الناصر عيسى: والدتي كانت من قرية طيرة دندن، بين اللد ويافا، جنوب شرق يافا وشمال شرق اللد.

أحمد منصور: ووالدك من أي منطقة؟

عبد الناصر عيسى: والدي أيضًا من الطيرة، وهو ابن عمها. كانت الوالدة تعلمنا أن هذا نضال وهذا احتلال، وكانت تأخذني معها، حتى وأنا صغير، إلى الاعتصامات. وأذكر مرة…

أحمد منصور: كنت تذهب إلى الاعتصامات مع والدتك؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كنت أذهب وأنا في الرابعة أو الخامسة من عمري. كانت الوالدة تشارك في اعتصامات أمام مقر الصليب الأحمر أو أمام سجن نابلس المركزي، عندما كانت تحدث إضرابات عن الطعام أو مشاكل، وكان الأهالي يعتصمون ليطالبوا بزيارة أبنائهم. كانت تأخذني معها، وكانت هناك ذكريات صعبة، لكنها ولّدت لدينا روح المقاومة ضد الاحتلال، والشجاعة، وألا نخشى في الله لومة لائم، وألا نخشى الاحتلال أو ما شابه ذلك.

أحمد منصور: نحن نتحدث عن بداية سبعينيات القرن الماضي، أنت وُلدت عام 1968، أي نتحدث عن 1974 أو 1975.

عبد الناصر عيسى: نعم، 1972 و1973 و1974.

أحمد منصور: هل تتذكر شكل السجن حينما كنت تذهب إلى والدك؟

عبد الناصر عيسى: أتذكر، على سبيل المثال، عندما كانوا يُدخلوننا أحيانًا مرة في العام أو كل عامين لزيارة خاصة. كان يعطينا أحيانًا حبة ملبس صغيرة، وهذه لا ننساها. كنا نركب في الحافلة…

أحمد منصور: كان معك إخوتك؟

عبد الناصر عيسى: لا، غالبًا كنت أنا من يزور الوالد، كانت تأخذني أنا الصغير. كنت آخر العنقود في تلك الفترة، فكانت الوالدة دائمًا تأخذني معها، بينما من هم أكبر مني كانوا أحيانًا يبقون في البيت. أحيانًا كنا نخرج معًا، لكن ذكرياتي تتركز في أنني كنت غالبًا وحدي.

أحمد منصور: أكمل لي قصة الملبس، وهل تتذكر السجن؟

عبد الناصر عيسى: نعم، أتذكر أنه كان يعطينا ملبسًا، فكنا ننتظر الزيارة لنحصل على هذه الحبة من والدنا. وأتذكر أيضًا إجراءات الدخول: تفتيش بعد تفتيش، وسجان يغلق الأبواب، وآخر يفتحها. هذه التفاصيل لا تزال في ذهني.

وأذكر موقفًا حتى الآن لا أنساه: صوت سيارة الجيش، عندما قالوا لوالدتي: ابتعدي عن الطريق. كانت تقف ولا تفتح لهم الطريق. كان هناك اعتصام، والأهالي يمنعون سيارات الجيش من المرور. قالوا لها: تحركي، لكنها رفضت. كنت صغيرًا جدًا، ربما عام 1973، فخفت وتمسكت بها وقلت لها: هل تريدين أن تقتلينا؟ لكنها لم تخف، وقالت للجندي: لن نتحرك من هنا.

أحمد منصور: أمام سيارة جيش الاحتلال؟

عبد الناصر عيسى: نعم، أمام الجيش. السيارة اصطدمت بنا، لكنها بقيت ثابتة، وقالت: لن نتزحزح، نريد زيارة أهلنا. فاضطر الجيش إلى التراجع أمام نساء وأطفال.

أحمد منصور: ما معنى أن تنشأ في ظل أسرة مقاومة: الأب، الأم، الإخوة، والمجتمع كله بدأ يقاوم الاحتلال؟

عبد الناصر عيسى: بالتأكيد، هذا يزرع فيك روح الشجاعة، وألا تخاف من الاحتلال، ويمنحك وعيًا مبكرًا ومسؤولية كبيرة. نحن لم نعش طفولة عادية.

أحمد منصور: صف لي معالم هذه الطفولة.

عبد الناصر عيسى: نشأنا في ظل جيش: الجيش جاء، الجيش ذهب، إطلاق نار، اقتحامات، ضرب… ماذا تتوقع أن نكون؟ نحن رد فعل طبيعي للاحتلال، وأي إنسان طبيعي سيقاوم.

أحمد منصور: مخيم بلاطة له اسم كبير، ليس فقط في الذاكرة الفلسطينية. صف لنا مخيم بلاطة ونشأتك فيه.

عبد الناصر عيسى: طبعًا ظروف المخيم كما تعلم صعبة: اقتصاديًا وبيئيًا، لكن كانت هناك حاضنة اجتماعية طيبة. الناس كانت تتضامن مع بعضها وتساند بعضها، وهذا أمر إيجابي. كان المخيم من أكبر المخيمات في الضفة الغربية، وله تاريخ مشرف. قد تكون الضفة الغربية هادئة، بينما مخيم بلاطة مشتعل بالحجارة والمواجهات.

لا شك أن المخيم كان مقاومًا مميزًا، حتى إن أبو عمار سماه “مخيم تل الزعتر” في إحدى المرات. نحن نتحدث عن السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات. ومن مخيم بلاطة انطلقت الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية في 11/12/1987. في غزة كانت البداية من حادثة المقطورة، أما في الضفة الغربية فمن مخيم بلاطة، عندما خرج إمام المسجد ودعا الناس إلى مقاومة الجنود الذين كانوا يعتدون على الناس ويهينونهم ويضربونهم.

الإمام عندنا لا يتدخل في السياسة، لكن من شدة ما رأى، خرج وقال: “الله أكبر، ما الذي يحدث؟ هذا لا يقبله عقل ولا دين”. حتى وصلت الأمور إلى تحرشات لفظية ببعض النساء، فثار الناس.

أحمد منصور: من جنود الاحتلال.

عبد الناصر عيسى: من جنود الاحتلال، وللأسف كان جزء منهم عربًا؛ أعني أن بعضهم كانوا عربًا بأسماء مثل محمد ومملون في الجيش، فكان هناك نوع من إساءة المعاملة. لذلك خرج الناس، الكبير والصغير، كردة فعل طبيعية على أحداث المخيم. ولم نكن نعلم، ولم يكن أحد يعلم، أن هذه الشرارة ستكون شرارة الانتفاضة الأولى من مخيم بلاطة.

أحمد منصور: قبل أن نصل إلى الانتفاضة، الانتفاضة سبقتها مقاومة بالحجارة لفترة طويلة. كان عمرك أربعة عشر عامًا حينما أُصبت للمرة الأولى برصاص الاحتلال الإسرائيلي. كان ذلك عام 1982، هل تذكر هذه الحادثة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، أذكر هذه الحادثة، لكن قبلها أذكر أيضًا حادثة إصابة أختي. أختي الكبرى، أم عبد الله، أُصيبت بالرصاص. كانت في الصف الثاني الثانوي، وأُصيبت بالرصاص إلى جانبي، في عام 1976 على ما أعتقد. كانت زميلة لينا النابلسي، رحمها الله، الشهيدة المعروفة في مدينة نابلس وفلسطين، وكانت أيضًا تقاوم الاحتلال، فأُصيبت بالرصاص إلى جانبي.

أحمد منصور: إلى جانبك أنت؟

عبد الناصر عيسى: نعم، إلى جانبي.

أحمد منصور: كنت معها في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كنت معها أرمي الحجارة مع الناس، وكان عمري خمس سنوات.

أحمد منصور: هل تتذكر متى بدأت ترمي الحجارة؟

عبد الناصر عيسى: لا أذكر تحديدًا، ربما في الرابعة أو الخامسة من عمري، لا أذكر. كأن الأمر بدأ منذ الصفر.

أحمد منصور: يعني تستيقظ من النوم وتذهب لتقاوم؟

عبد الناصر عيسى: كنا نخرج فنجد الجيش عند مدخل المخيم، فنخرج لنرمي الحجارة عليه. لم يكن هناك خيار آخر.

أحمد منصور: أنت تتحدث عن 1973 و1974؟

عبد الناصر عيسى: نعم، 1973 و1974 و1975 و1976 وهكذا. كانت هذه لعبة الأطفال؛ أصبحت كأنها لعبة، أن نذهب لرمي الحجارة على الجيش.

أحمد منصور: تفضل.

عبد الناصر عيسى: وكنا نتعرض لما نتعرض له.

أحمد منصور: يا أبا حذيفة، القوة النفسية لدى طفل في الخامسة من عمره، يحمل حجرًا ليواجه دبابة أو سيارة مدرعة أو جنديًا مسلحًا، كيف تتشكل هذه القوة النفسية و الشجاعة؟

عبد الناصر عيسى: ربما تحتاج إلى مختص في علم النفس، لكننا كنا نتصرف بتلقائية، لا نفكر كثيرًا. طبيعة الإنسان أنه إذا سُلب منه شيء أو اعتُدي عليه، يرفض ذلك ويقاوم. كنا أطفالًا نتعامل بتلقائية: هؤلاء أخذوا أرضنا وطردونا ووضعونا في المخيمات، إذًا يجب أن نقاومهم. هؤلاء محتلون ومجرمون، ومن يفعل ذلك لا يُعد إنسانًا في نظرنا. لذلك لم يكن الأمر يحتاج إلى تفكير كبير. ربما حين يكبر الإنسان يبدأ في التحليل، أما حينها فكانت تلقائية شديدة.

أحمد منصور: حدّثني عن حادثة إصابة أختك بالرصاص وأنت إلى جوارها، وأنت طفل في الخامسة ترمون الحجارة على الجيش.

عبد الناصر عيسى: كنا نرمي الحجارة، لكن أحيانًا كانت الحجارة تصيب المتظاهرين أنفسهم، لأن الطفل لا يستطيع التحكم جيدًا. أحيانًا كنت أتسلل إلى الصف الأول، وكانوا يمسكونني ويسألونني: إلى أين تذهب؟ لكنني كنت أصر على التقدم.

وأذكر مرة أن شابًا رمى حجرًا فأصابني في رأسي وأنا في المقدمة، فنزف الدم، وهذا أمر كان عاديًا، ولم نتوقف بسببه، بل استمررنا.

أما إصابة أختي، فقد تأثرت بها، لكنها كانت أمرًا طبيعيًا في ذلك الوقت. لم نكن نتأثر كثيرًا؛ كان هذا يُعد ضريبة.

أحمد منصور: بعد إصابتها، هل واصلت المقاومة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، واصلت، وكانت نشيطة جدًا، ما شاء الله عليها.

أحمد منصور: مفهوم المقاومة في نفسية الطفل، هل تتذكره؟

عبد الناصر عيسى: أعتقد أنه كان تلقائيًا. أذكر موقف والدتي حين وقفنا أمام الجيش، كنت خائفًا وأقول لها: هل تريدين أن يدهسونا؟ فقالت: لا تخف، لن يدهسونا، نحن نقف لنمنعهم. كانت تبث فينا الشجاعة. هذا ما أخذناه من أمهاتنا، والأم الفلسطينية عظيمة جدًا.

أحمد منصور: كثير من مراكز الدراسات في العالم تدرس نفسية الأم الفلسطينية، خاصة بعد أحداث طوفان الأقصى، ومشاهد الأمهات اللواتي يودعن أبناءهن الشهداء.

عبد الناصر عيسى: نعم، يقولون: الحمد لله، وتنصر المقاومة. هل يدفع لهم أحد المال؟ هم يعيشون تحت الصفر، ومع ذلك يحمدون الله. هذا نابع من الإيمان بالله، ومن الإيمان بعدالة القضية، فالشعب مقهور محتل يسعى إلى حريته وكرامته كبقية الشعوب.

أحمد منصور: كيف أُصبت بالرصاص وأنت في الرابعة عشرة من عمرك؟

عبد الناصر عيسى: في ذلك الوقت كانت هناك مجزرة صبرا وشاتيلا.

أحمد منصور: نعم.

عبد الناصر عيسى: عندما خرج المقاتلون الفلسطينيون من منظمة التحرير وفتح من لبنان وفق اتفاق، لكن حينما خرجوا، حدثت المجزرة، حيث قامت ميليشيات بقتل آلاف الفلسطينيين.

أحمد منصور: نعم.

عبد الناصر عيسى: خرجنا في المخيمات، وفي فلسطين عمومًا، وخصوصًا في مخيم بلاطة، نرمي الحجارة احتجاجًا. كانت هناك مواجهات عنيفة، وكنت في مقدمتها رغم أن عمري 14 عامًا. وأُصبت بالرصاص خلال تلك الأحداث.

أحمد منصور: أين كانت الإصابة؟

عبد الناصر عيسى: في أعلى الفخذ الأيسر.

أحمد منصور: هل أثرت عليك نفسيًا؟ هل خفت؟

عبد الناصر عيسى: لا، إطلاقًا. لم أتأثر. كانت إصابة خفيفة، والحمد لله. كنت قد أُصبت عدة مرات، وهذه كانت الأولى، وكنا نتعامل معها كأنها نوع من الإثارة، إضافة إلى أننا نقاوم. كنا أطفالًا نحب الإثارة أيضًا.

أحمد منصور: شعرت بالبطولة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، شعرت أنني بطل، وأنني لا أخاف. كما أن نظرة الناس كانت تشجعك وترفع من مكانتك وقيمتك، وهذا مهم جدًا، فهناك بيئة حاضنة وتشجع.

أحمد منصور: صبرا وشاتيلا ناقشناها سابقًا مع شفيق الحوت والرئيس أمين الجميل باستفاضة. أنت اعتُقلت عشر مرات؟

عبد الناصر عيسى: نعم، مرات كبيرة وصغيرة.

أحمد منصور: والمرة الأخيرة كانت ثلاثين عامًا متواصلة وأربع سنوات متفرقة، سنعود إليها لاحقًا. في 29 نوفمبر 1987، قبل الإعلان عن تأسيس حماس، كان عمرك 19 عامًا، وقرر الاحتلال الإسرائيلي هدم بيتكم؟

عبد الناصر عيسى: نعم، قبل الانتفاضة الأولى. كانت هناك مشاركة قوية في تظاهرة بمخيم بلاطة بذكرى تقسيم فلسطين، وكانت من المحطات البارزة لمشاركة الحركة الإسلامية الفلسطينية في المقاومة. يمكن اعتبارها من إرهاصات انطلاقة حماس.

أحمد منصور: دعنا نعود إلى عام 1982، وبدايات تعرفك على جماعة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية. هل تذكر التفاصيل؟

عبد الناصر عيسى: نعم، في نهاية 1982  شهر ديسمبر، وبداية 1983. بعد إصابتي، خاف والدي عليّ من أن أُقتل، فقال: أريد أن أُدخلك المدرسة الإسلامية. رفضت في البداية لأنني شعرت أنه يريد تقييدي.

أحمد منصور: رغم أن والدك كان من الجبهة الشعبية؟

عبد الناصر عيسى: نعم، لكنه بدأ يتركها عام 1982، وتركها فعليًا عام 1983. كان يصلي، ولم يكن ماركسيًا بالمعنى الفكري، بل كان قوميًا عربيًا.

أحمد منصور: وأنت أثرت عليه لاحقًا؟

عبد الناصر عيسى: نعم، ناقشته كثيرًا، رغم أنني كنت طفلًا، وهو كان مثقفًا وله تاريخ. لكن مع الوقت رأى إصراري وصدقنا، فتأثر، هو كان يصلي، لكن اقترب من الاتجاه الإسلامي قبل وفاته عام 2006.

أحمد منصور: كيف انتميت إلى الإخوان المسلمين في سن مبكرة، في الخامسة عشرة؟

عبد الناصر عيسى: عندما أدخلني والدي المدرسة الإسلامية خوفًا عليّ، التحقت بها. كانت تضم مشايخ من أبناء الحركة الإسلامية. في البداية ذهبت لقضاء الوقت فقط، لكنني تأثرت بالبيئة.

أحمد منصور: هل تذكر بعض المشايخ؟

عبد الناصر عيسى: نعم، الأستاذ جمال سليم، رحمه الله، والأستاذ نصوح الراميني، وكذلك الأستاذ محمد سعيد ملحس، وهو أستاذ وعالم تجويد معروف. هؤلاء أثروا فيّ في البداية.

أحمد منصور: ماذا درست في المدرسة الإسلامية؟

عبد الناصر عيسى: كانت دراسة عادية مثل باقي المدارس، لكنها تضمنت مواد إضافية 7 مواد،  مثل الحديث، والثقافة الإسلامية، والتجويد، والتاريخ الإسلامي.

أحمد منصور: كانت مدرسة نظامية؟

عبد الناصر عيسى: نعم، لكنها تضمنت التزامات إضافية، مثل الصلاة، وكان فيها مسجد، ونصلي الضحى والظهر. وكان القبول فيها يتطلب معدلًا يفوق 80%.

أحمد منصور: للمتفوقين.

عبد الناصر عيسى: كانت للمتفوقين، بمعدل أكثر من 80، ومن أراد الالتحاق بها كان عليه أن يصلي، فلا يُسمح لمن لا يصلي. في البداية كنت أصلي بشكل عادي، ثم مع الوقت اكتشفت أنني أنتمي إلى هذا المكان.

أحمد منصور: دعني أسألك عن تلك الفترة. التيارات السياسية في الضفة الغربية وفلسطين عمومًا، كان التيار اليساري غالبًا على التيار الإسلامي، أليس كذلك؟

عبد الناصر عيسى: كان التيار اليساري قويًا، وليس غالبًا بالضرورة، لكنه كان فاعلًا. وكان في مراحله الأخيرة تقريبًا؛ إذ إن ذروته كانت في السبعينيات. أما في الثمانينيات، وخاصة بعد خروج المقاتلين من بيروت، بدأ تيار منظمة التحرير يتراجع تدريجيًا، وتحديدًا التيار اليساري. أما حركة فتح فكانت لا تزال رائدة العمل وقوية ومسيطرة.

أحمد منصور: وهؤلاء كانوا يتواجدون تحت رآية الإخوان المسلمين في نابلس في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى: من تقصد؟

أحمد منصور: المدرسة الإسلامية؟

عبد الناصر عيسى: لا يمكن القول بذلك بشكل دقيق، لكنها كانت محسوبة على الإسلاميين.

أحمد منصور: كانوا يُسمّون إسلاميين أو إخوان مسلمين؟

عبد الناصر عيسى: كانوا يُقال عنهم هذا وذاك؛ مرة يُقال إسلاميون، ومرة إخوان، وإذا أراد أحد أن يهاجمهم يقول: “إخوانجي”.

أحمد منصور: قلت لي في جلسات الاستماع والتحضير إنك بايعت الإخوان المسلمين.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: ما معنى مفهوم “البيعة” لطفل في الخامسة عشرة؟

عبد الناصر عيسى: كنت في السادسة عشرة. كنا أطفالًا، لكننا متقدمون في النضج. حين ترى نفسك طفلًا تقود مظاهرة، أو في السابعة عشرة تقود مواجهة عنيفة، فهذا يعني أننا نضجنا مبكرًا. كنت أستحضر أحيانًا قصة أسامة بن زيد، الذي قاد جيشًا وهو طفل صغير في مفاهيم اليوم، فكنت أشعر أننا نتحمل المسؤولية مبكرًا.

كما أنني دخلت المدرسة في سن مبكرة، فكنت أصغر من زملائي بنحو ستة إلى تسعة أشهر، وهذا أيضًا عزز النضج المبكر.

أحمد منصور: وكنت تقودهم؟

عبد الناصر عيسى: نعم، في العمل النضالي والمظاهرات. وكنت أيضًا متفوقًا دراسيًا، بمعدل بين 85 و87.

في أول فصل لي في المدرسة الإسلامية، كنت أنوي “تخريبها” بالمعنى المجازي، أي تحويلها إلى ساحة نشاط وطني ومظاهرات. فقمنا بتنظيم مظاهرة أو اثنتين، وأتذكر أن بعض من كانوا معي آنذاك أصبحوا لاحقًا في الأجهزة الأمنية، وكانوا يلاحقون المتظاهرين، بينما كانوا معنا في السابق.

تسببنا في استدعاء الجيش إلى المدرسة، وكان ذلك تجاوزًا للخط الأحمر.

أحمد منصور: جيش الاحتلال؟

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: هل كانت المظاهرة داخل المدرسة؟

عبد الناصر عيسى: حول المدرسة. كنا نريد أن نجعلها مثل مدارس المخيم.

أحمد منصور: طبعًا لم تكن هناك سلطة فلسطينية، وكانت السيطرة لجيش الاحتلال؟؟

عبد الناصر عيسى: نعم، فقط للجيش.

أحمد منصور: وبالتالي أي صدام كان مع جيش الاحتلال.

عبد الناصر عيسى: نعم، فقط مع الجيش.

أحمد منصور: ما الذي جذبك إلى الإخوان المسلمين؟

عبد الناصر عيسى: كان المدخل هو الدين: الشجاعة، البطولة، والتاريخ الإسلامي. قرأت عن  سيدنا خالد بن الوليد، وتأثرت بقصصه.

أحمد منصور: في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى: نعم، في ذلك الوقت. الفطرة الدينية، الالتزام بالصلاة، العبادات، والتاريخ الإسلامي المجيد، كل ذلك جذبني. شعرت أنني امتداد لهذا التاريخ، ووجدت أن الإخوان المسلمين هم من يحمل هذا الشعار، فقلت: أنا هنا.

وفي نهاية الصف الثالث الإعدادي، في الفصل الثاني، بدأت الالتزام مع الإخوان في مسجد المدرسة ومسجد مخيم بلاطة.

أحمد منصور: ما شكل هذا الالتزام؟

عبد الناصر عيسى: المحافظة على الصلوات، حضور صلاة الجمعة، حضور الدروس، الإكثار من الذهاب إلى المسجد، قراءة القرآن، والتعرف على الشباب الملتزمين، ومن هنا بدأنا الطريق.

أحمد منصور: هل تذكر بعض هؤلاء؟

عبد الناصر عيسى: نعم، مثل الشهيد جمال منصور، وعمر الجبريني، وأبو مصعب، وأبو صهيب، وأبو أنس. وأذكر أيضًا بعض الإخوة من عائلة الخطيب، كانوا مشايخ محترمين وملتزمين.

أحمد منصور: الدكتور عدنان مسودي، أحد مؤسسي الإخوان المسلمين في الضفة الغربية، كتب مذكراته بعنوان “إلى المواجهة”، وتحدث عن تاريخ الجماعة، وقال إنها تأسست في الخليل عام 1949، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن دخول الإخوان إلى فلسطين كان على يد مؤسس الجماعة، حسن البنا عام 1945. بصفتك باحثًا، ما رأيك؟

عبد الناصر عيسى: لم أبحث هذا الموضوع بشكل معمق، لكن معلوماتي أن البداية كانت فعلًا على يد حسن البنا، ثم مرت بمحطات مختلفة، وربما كان الدكتور عدنان يشير إلى محطة تأسيس رئيسية.

أحمد منصور: في منتصف الستينيات حدث انشقاق داخل الإخوان، حين دعا بعض الشباب آنذاك قيادة الجماعة، إلى العمل المسلح، ورفضت القيادة، فانضم هؤلاء إلى حركة فتح. هل لديك معلومات؟

عبد الناصر عيسى: نعم، درسنا ذلك. منهم خليل الوزير وأبو عمار وأبو إياد، من القيادات الأولى في فتح، كانوا في الأصل ضمن الإخوان. طلبوا العمل المسلح، لكن بعض القيادة رفضت، فتوجهوا للعمل المسلح.

كما أن وجود جمال عبد الناصر، الذي كان يعادي الإخوان، جعل الانتماء إليهم عبئًا، فاختاروا العمل تحت إطار مختلف. بدأت الانطلاقة بهذا الشكل، لكن لاحقًا تطورت بشكل مستقل، وأبو عمار أخذهم  بعيدًا عن منهج الإخوان.

أحمد منصور: إذًا جزء أساسي من مؤسسي فتح كانوا من الإخوان؟

عبد الناصر عيسى: نعم، هذا ما قرأناه ودرسناه.

أحمد منصور: لكنهم استمروا لاحقًا مع فتح؟

عبد الناصر عيسى: نعم، بقي لديهم بعض الميول الإسلامية، لكنهم تركوا الإخوان تنظيميًا.

أحمد منصور: الدكتور مسودي ذكر أن جامعة النجاح لعبت دورًا كبيرًا في عودة نشاط الإخوان بعد 1981، وأن الأسر الإخوانية بدأت تتشكل.

عبد الناصر عيسى: صحيح.

أحمد منصور: أركز على هذه المرحلة لأن حماس عندما تأسست عام 1987 كانت امتدادًا للإخوان.

عبد الناصر عيسى: نعم، بالتأكيد، كانت محطة رئيسية وامتدادًا لهم.

أحمد منصور: وكانت جماعة الإخوان موجودة في بداية الثمانينيات؟

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: ويقال إنهم أسسوا أكثر من 40 أسرة في الضفة الغربية، وكانت جامعة النجاح نواة لذلك.

عبد الناصر عيسى: صحيح، وأنا كنت ضمن هذه المرحلة.

أحمد منصور: كنت قد انتميت إليهم آنذاك؟

عبد الناصر عيسى: نعم، انتميت إلى الإخوان عام 1983، وكنت ضمن أسرة إخوانية.

أحمد منصور: ما المقصود بأسرة إخوانية؟

عبد الناصر عيسى: كنا نجلس خمسة أو ستة أشخاص من جيل متقارب، ويجلس معنا الأستاذ، وهو النقيب المسؤول عنا. كان يعلّمنا التاريخ الإسلامي، ويطرح قضايا دينية وسياسية، مثل مواقفنا من القضايا السياسية المرتبطة بالحركات الإسلامية في المنطقة، إضافة إلى الجوانب التربوية. كنا ننظم اعتكافات وإفطارات جماعية، وكان نشاطنا يستمر ساعتين أو ثلاثًا، وأحيانًا أكثر.

كان نقيبي الأستاذ القائد الشهيد أحمد جمال منصور “أبو بكر”، وكان معي منذ عام 1983 حتى بداية 1988.

أحمد منصور: قلت إنه ترك أثرًا كبيرًا في حياتك.

عبد الناصر عيسى: نعم، بالتأكيد.

أحمد منصور: حدّثنا عن هذه الشخصية، وما الذي جعله يترك هذا الأثر؟

عبد الناصر عيسى: كان شابًا في تلك الفترة. أنا كنت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وهو كان في الحادية والعشرين تقريبًا، أي أكبر مني بسبع أو ثماني سنوات.

أحمد منصور: ليس فارقًا كبيرًا.

عبد الناصر عيسى: نعم، لكنه كان متقدمًا جدًا في عقله وفكره وسلوكه. كان إداريًا من الطراز الأول، ومفكرًا وقارئًا، ولديه علم فقهي واسع. تأثرت به كثيرًا.

في تلك المرحلة كان هناك صراع فكري بين تيار الإخوان والتيارات العلمانية والوطنية الأخرى.

أحمد منصور: الموجودة في الساحة الفلسطينية؟

عبد الناصر عيسى: نعم. وكان والدي، رحمه الله، يحاول التأثير عليّ لأترك الإخوان وأبقى ضمن التيار الوطني أو اليساري. وكان يتفق مع بعض أصدقائه ليناقشوني، فكنت أناقشهم؛ أحيانًا أستطيع الرد، وأحيانًا لا، لكن كنت متمسكًا بما أعتقد أنه الصحيح.

كنت أذهب إلى الأستاذ جمال منصور وأعرض عليه هذه النقاشات: ما الموقف؟ ما الرأي؟ وكان يجيبني، فشكّل ذلك بداية فكرية عميقة لدي.

كنا نواجه أفكارًا مثل الإلحاد أو التساؤلات حول وجود الله والكون، وكان بعض اليساريين يطرحونها. هذا كله أسهم في تشكيل فكرنا السياسي الإسلامي.

ومن أبرز الشخصيات المؤثرة في نابلس آنذاك: الشيخ جمال منصور، والشيخ سعيد بلال، والشيخ عز الدين حمدان، والشيخ درويش. تعلمنا منهم الدين والأخلاق والعبادات، وكان لهم أثر كبير في تربيتنا.

أحمد منصور: هل هذه النقاشات، وقيادتك للمظاهرات، هي التي دفعتك لاحقًا إلى العمل البحثي وتأسيس مركز أبحاث حتى وأنت في السجن؟

عبد الناصر عيسى: يبدو أن لذلك أثرًا. والدي كان مثقفًا ويهتم بالفكر والنقاش، والتيار اليساري عمومًا كان يهتم بالثقافة. كما كان يوصيني دائمًا بالاهتمام بالدراسة والعلم والتخصص، وهذا أثر فيّ كثيرًا.

أحمد منصور: هناك نقطة تاريخية مهمة: قبل اندلاع الانتفاضة، اتخذ الإخوان المسلمون—وليس حماس بعد—قرار المواجهة العسكرية مع إسرائيل في 23 أكتوبر 1987، كما ذكر الدكتور عدنان المسودي.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: وكان المكتب الإداري بقيادة الشيخ عبد الفتاح دخان هو من اتخذ القرار.

عبد الناصر عيسى: نعم، أبو أسامة رحمه الله.

أحمد منصور: وأنت كنت ضمن صفوف الإخوان آنذاك. ما دقة هذه المعلومات؟

عبد الناصر عيسى: كنا آنذاك صغار السن، يُطلق علينا “أشبال”، أعمارنا نحو 18 عامًا، وكنا في الجانب التنفيذي. علمت لاحقًا بوجود هذا القرار، لكن ما شعرنا به عمليًا هو تغير في موقف الإخوان من التظاهرات، حيث طُلب منا المشاركة فيها.

وكان أول أو ثاني تطبيق عملي لهذا القرار، على مستوى الضفة الغربية، هو مظاهرة مخيم بلاطة في 29 نوفمبر 1987.

أحمد منصور: ماذا حدث في هذه المظاهرة؟

عبد الناصر عيسى: كُلّفت بالتنسيق مع الفصائل الوطنية، وبقيادة المظاهرة ميدانيًا، لأنهم يعرفون خبرتي في هذا المجال. تواصلت مع بعض الإخوة في حركة فتح، وكانوا يعرفونني من المظاهرات السابقة. عندما أخبرتهم أن شباب المسجد—أي الإخوان—سيشاركون، استغربوا.

اتفقنا على موعد صباحي، فتجهز الشباب وكأنهم ذاهبون إلى معركة. كان لباسنا مميزًا: لثام أسود، وملابس سوداء، وشعارات مثل “الله أكبر” و”لا إله إلا الله”، وعلم فلسطين كتبنا عليه “لا إله إلا الله” في الوسط، في محاولة لإضفاء طابع إسلامي.

خرجنا في المظاهرة، وكانت مظاهرة عنيفة. لم يشارك بعض إخوتنا في فتح في الموعد، واقترحوا التأجيل إلى المساء، لكننا رفضنا لأننا كنا مستعدين. كنا نحو 30 أو 40 شخصًا.

أحمد منصور: مظاهرة بثلاثين شخصًا فقط؟

عبد الناصر عيسى: نعم، لكنها كانت كفيلة بإشعال المخيم. بعد ذلك يخرج الجميع. كنت أحيانًا أبدأ مظاهرة بمفردي.

أحمد منصور: بمفردك؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كنت أذهب إلى موقع الجيش وأرمي الحجارة. في البداية لا يطلق الجندي النار لأنه يراني طفلًا، فأستمر حتى يستفزه، وعندما يطلق النار يتجمع الناس، وتتحول إلى مظاهرة تضم مئة أو مئتين.

أحمد منصور: بينما أطفال العالم يلعبون…

عبد الناصر عيسى: كنا نرمي الحجارة. هؤلاء الأطفال أصبحوا لاحقًا مقاتلين، مثل محمد الضيف ويحيى السنوار وغيرهم.

أحمد منصور: من الناحية التاريخية، كانت مشاركة الإخوان قبل 1987 فردية، لكن في ذلك الوقت اتخذوا قرار المواجهة.

عبد الناصر عيسى: نعم، اجتمع المكتب الإداري في بيت الأستاذ حسن القيق في دورا قضاء الخليل، واتخذ القرار. وكان أول أو ثاني تطبيق له مظاهرة مخيم بلاطة في نوفمبر، بعد القرار الذي اتُّخذ في أكتوبر.

أحمد منصور: وأنت كنت في مقدمة هذه المظاهرة؟

عبد الناصر عيسى: كان هناك من هو أكبر مني، لكنني كنت في الميدان، يمكن وصف دوري بضابط عمليات.

أحمد منصور: الإخوان تأخروا ثلاثين عامًا عن فتح؟

عبد الناصر عيسى: ربما.

أحمد منصور: لا أقول ثلاثين عامًا، قل عشرين.

عبد الناصر عيسى: يمكن أن يُقال ذلك، ويمكن أيضًا القول إن هناك ظروفًا تتعلق بالتجميع والتربية. بعض الإخوة يرون أننا تأخرنا وكان ينبغي أن نشارك مبكرًا، وهذا رأي موجود. لكنني أرى أن مرحلة الحضانة والتربية كانت ضرورية، وإن كانت قد طالت قليلًا، فربما تأخرنا بضع سنوات، لكن هذه المرحلة كانت مهمة.

أحمد منصور: ربما.

عبد الناصر عيسى: أعتقد أن عشر سنوات كانت كافية.

أحمد منصور: بعد دراستي لهذه المرحلة من خلال أكثر من عشرين كتابًا، وجدت أن موضوع التربية الطويلة مبالغ فيه نسبيًا؛ لأن من ينفذون العمليات الاستشهادية قد يتخذون القرار بعد لقاء أو لقاءين، دون حاجة إلى تربية تمتد لعقود.

عبد الناصر عيسى: صحيح، كلامك فيه جانب من الصحة. ليس كل فرد يحتاج إلى عشرين عامًا من التربية. لكن الجيل المؤسس، الذي تُبنى على أكتافه الحركة، يحتاج إلى إعداد خاص. أما الأجيال اللاحقة، فتصبح الأمور لديهم طبيعية ومندمجة في حياتهم، دون الحاجة إلى تلك المدة الطويلة.

أحمد منصور: قبيل الانتفاضة، كان الجو مهيأ، وقرار المواجهة قد اتُّخذ.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: في كتاب “مع الحركة الإسلامية في الأقطار العربية”، ذكر عبد الله بو عزة أن عددًا من قيادات حركة فتح، مثل سليم الزعنون، وصلاح خلف “أبو إياد”، وكمال عدوان، وأبو يوسف النجار، وسعيد المزين، وغالب الوزير، كانوا من الإخوان المسلمين في البداية.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: وهذا يعني أن فتح قامت جزئيًا على قيادات ذات خلفية إسلامية.

عبد الناصر عيسى: صحيح.

أحمد منصور: الشيخ أحمد ياسين ذكر أنه اعتُقل عام 1984 بتهمة تخزين السلاح والتخطيط للمواجهة، وكانت هذه من الإرهاصات المبكرة في غزة. سؤالي: ما الفوارق الأساسية بين غزة والضفة الغربية؟

عبد الناصر عيسى: قبل الحديث عن الفوارق، كان هناك نقاش دائم بيننا وبين التيارات الأخرى، خاصة في حركة فتح، حول أن الإخوان لا يحملون السلاح. وكان كثير منهم يقول: إذا حمل الإخوان السلاح، فلا مشكلة لدينا معهم.

أحمد منصور: بينما الجميع كان يحمل السلاح آنذاك.

عبد الناصر عيسى: نعم، وكان قرار الإخوان بحمل السلاح في 1987 نقطة تحول، رغم وجود إرهاصات سابقة مثل مجموعة الشيخ أحمد ياسين في 1983 و1984، وجهاز “مجد”.

غزة كانت متقدمة في العمل العسكري في البداية، ثم تفوقت الضفة في مراحل لاحقة، ثم عادت غزة لتقود في المرحلة الأخيرة.

لكن اللافت أن كثيرًا ممن كانوا يقولون إنهم سينضمون إذا حمل الإخوان السلاح، لم يفعلوا ذلك فعليًا؛ ربما 30% فقط تأثروا إيجابيًا، وبعضهم دعم بطرق مختلفة.

أحمد منصور: جيد أن 30% انضموا أو تأثروا.

عبد الناصر عيسى: نعم، هذا مكسب.

أحمد منصور: ماذا عن الفوارق بين غزة والضفة؟

عبد الناصر عيسى: نحن شعب واحد، لكن التقسيم الجغرافي يخلق فروقًا في الظروف والهموم والبيئة. هذه الفروق طبيعية، وقد تكون إيجابية.

غزة تضم نسبة كبيرة من اللاجئين، ربما 60% إلى 70%، يعيشون في اكتظاظ وظروف اقتصادية صعبة، بينما الوضع في الضفة مختلف قليلًا من حيث الجغرافيا والديموغرافيا.

لكن في النهاية، نحن شعب واحد، وهناك عائلات ممتدة بين غزة والضفة، مثل من هم من اللد أو يافا أو عكا، تجدهم في كلا المكانين.

أحمد منصور: ماذا تقصد بمصطلحات مثل “لدّاوي”؟

عبد الناصر عيسى: أي من مدينة اللد، أو “يفاوي” من يافا، وهكذا.

أحمد منصور: هل أثرت الجغرافيا في هذه الفروقات؟

عبد الناصر عيسى: نعم، إلى حد ما. غزة كانت تحت الإدارة المصرية، بينما الضفة كانت مرتبطة بالأردن، وهذا أثر على تطور الحركات، خاصة المسلحة.

أحمد منصور: إذًا إخوان غزة كانوا أقرب إلى مصر، وإخوان الضفة أقرب إلى الأردن؟

عبد الناصر عيسى: نعم، صحيح.

أحمد منصور: والأردن لم يكن يمنع الإخوان في تلك الفترة، بل كان هناك نوع من التفاهم معهم.

عبد الناصر عيسى: صحيح.

أحمد منصور: والضفة الغربية بطبيعتها الجغرافية تختلف عن غزة.

عبد الناصر عيسى: نعم، غزة منطقة ضيقة ومكتظة، بينما الضفة أوسع وأكثر تنوعًا جغرافيًا، وهذا يؤثر حتى على النفسية والسلوك.

أحمد منصور: قبيل اندلاع الانتفاضة في ديسمبر 1987، كانت هناك إرهاصات واضحة. في الحلقة القادمة سنبدأ معك من لحظة اندلاع الانتفاضة وإعلان ولادة حركة حماس.

عبد الناصر عيسى: إن شاء الله.

أحمد منصور: أشكرك جزيل الشكر، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة. في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى الأسير المحرر عبد الناصر عيسى، عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، الذي قضى أربعة وثلاثين عامًا في الأسر، وأُفرج عنه في فبراير الماضي. حتى ألقاكم في حلقة جديدة من “شاهد على العصر”. وهذا أحمد منصور يحييكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.