شاهد على العصر – حوار مع عبد الناصر عيسى ج 3: أسرار وكواليس صناعة القادة في حماس

[video-mp4]https://media.mcenter.info/wp-content/uploads/2026/04/أسرار-صناعة-القادة-لدى-حماس.mp4[/video-mp4]

لمشاهدة الحلقة من مصدرها اضغط هنا

عبد الناصر عيسى ج3: أسرار وكواليس صناعة القادة في حماس؟!

يستعرض أحمد منصور مع عبد الناصر عيسى، عميد الأسرى المحررين في حركة حماس، في الجزء الثالث من حوارهما في برنامج “شاهد على العصر” الذي جرى بثه بتاريخ 11 أبريل 2026، أسرار وكواليس وظروف صناعة القادة في حركة حماس، والذين يرثون أسلافهم الذين يتعرضون للاستشهاد سريعا، والذي رده عبد الناصر عيسى إلى مرحلة التربية الطويلة التي سبقت التوجه إلى العمل المسلح.

وقال عيسى إن الحركة توجهت إلى العمل المسلح -بشكل فردي- بداية من العام 1992، بعد سنوات من العمل التربوي والإعداد المطّول، وكانت بداياتها بسيطة..

مشيراً إلى جهود الشهيد صالح التلاحمة، أبرز قيادات القسام في الضفة الغربية، والذي وصفه عيسى بأنه “كان يعمل بجد وصمت”.

كما تحدث عن زاهر جبارين (رئيس حماس في الضفة) وساهر التمام (الاستشهادي الأول في حماس) وأحمد مرشود الذي اغتيل بتفجير عبوة ناسفة عام 2001.

وكشف عن كواليس أسر حماس لجنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، وأبرزهم نسيم توليدانو.

ويرى عبد الناصر عيسى في حواره أن إبعاد إسرائيل لـ 415 من قيادات حماس إلى مرج الزهور في لبنان، في ديسمبر 1992، كان محنة تحولت إلى منحة، وأوضح أسباب ذلك.

كما أشار إلى توقيت بدء العلاقة بين حماس وحزب الله وإيران، والظروف التي دعتهم لذلك.

وكسر عبد الناصر عيسى في الحوار الفكرة النمطية السائدة بأن الاستشهاديين كانوا فقراء بائسين أو ضحايا للظروف الاجتماعية فقط، وأوضح أن كتائب القسام كانت تعمل بهيكل شبه مرن في بداياتها، يسمح للأفراد بالمبادرة في العمل الفردي، ضمن السياسات العامة للحركة، دون أوامر تفصيلية، وأن العلاقات الشخصية والمساجد كانت محوراً أساسياً في اكتشاف وتجنيد الأفراد الجادين، الراغبين في العمل من أجل القضية الفلسطينية، وأن بعض المقاتلين كانوا يمولون عملياتهم بأنفسهم، حتى عبر بيع ممتلكاتهم، أو حلي زوجاتهم، و أن ظاهرة العمل العسكري والاستشهاديين، لم تكن مقتصرة على فئة محددة؛ بل ضمت: الشباب، الكبار، الفقراء، الأغنياء، أهل المدن والقرى.

نص حوار عبد الناصر عيسى ج3: أسرار وكواليس صناعة القادة في حماس؟!

أحمد منصور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج “شاهد على العصر”، حيث نواصل الاستماع إلى شهادة الأسير المحرر عميد أسرى حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي، عبد الناصر عيسى، أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام، أبو حذيفة. مرحباً بك.

عبد الناصر عيسى: حياكم الله.

أحمد منصور: الفترة من عام 1991 إلى عام 1993 هي فترة بين سجنين، عدت خلالها إلى الجامعة، جامعة النجاح، وكنت رئيساً للكتلة الإسلامية في الجامعة التي وُصفت بأنها كانت بمثابة معمل لتفريخ كتائب القسام والاستشهاديين والمقاومين للاحتلال الإسرائيلي في ذلك الوقت، لا سيّما وأن طلبة الجامعات هم أكثر الناس حماسة وانخراطاً في المقاومة. هذه الفترة من مايو 1991 إلى منتصف أبريل 1993 اعتُقلت مرة أخرى. ما أهم الأمور التي لا زالت عالقة في ذاكرتك حول أهم الأعمال التي قمت بها في تلك المرحلة؟

استشهاد وائل سوالمة بطريقة غامضة
عبد الناصر عيسى: بسم الله الرحمن الرحيم. طبعاً بعد خروجي من السجن في عام 1991 عدت إلى العمل الإسلامي بشكل عام والعمل المقاوم بشكل خاص. كان في استقبالي بعض الإخوة الأفاضل الذين كنا نعمل معهم قبل الاعتقال في مجال العمل المقاوم ضد الاحتلال، وكانت هذه المجموعة، باعتبارها مجموعة محلية في منطقة نابلس، تمتلك بعض الأسلحة، ومن بينهم بعض الإخوة الذين استشهدوا، رحمهم الله، مثل أخينا وائل سوالمة. لكن عندما خرجت، كان وائل قد استشهد، وكان من بينهم آخرون ما زالوا أحراراً.

أحمد منصور: قصة استشهاد وائل سوالمة كيف كانت؟

عبد الناصر عيسى: كان داخل السجن، وخرج من السجن، وكان يُعتقد أنه تعرض للتعذيب أو أخذ إبرة معينة، فاستشهد بعدها بعد الإفراج عنه بأسابيع. القصة غير واضحة ومجهولة، وهناك علامات استفهام وترجيحات بأنه قُتل قتلاً أو استشهد، عليه رحمة الله.

أحمد منصور: والإسرائيليون كانوا يقومون بمثل هذا الأمر في كثير من الأحيان؟

عبد الناصر عيسى: في بعض الأحيان، لا أريد أن أقول كثيراً في تلك المرحلة، لكن في بعض الحالات كانوا فعلاً يقومون بذلك.

أحمد منصور: يعني أكثر من شهيد استشهد بعد خروجهم من السجون؟

عبد الناصر عيسى: أنا لم أحقق في ذلك.

أحمد منصور: في ظروف غامضة؟

عبد الناصر عيسى: لم أحقق، لكنني سمعت. أما حالة الشهيد وائل سوالمة، فكنت أعرفها عن قرب.

أحمد منصور: من هو وائل سوالمة؟ لأني لم أسمع اسمه من قبل.

عبد الناصر عيسى: هو أحد الإخوة العاملين المجاهدين في مخيم بلاطة، كان مقداماً وملتزماً في المسجد، ومن شباب الحركة الإسلامية في الفترة المبكرة. اعتُقل معنا وعمل معنا في نفس الدائرة، دائرة العمل المقاوم عبر الحجارة والمولوتوف. واعتُقل بعدنا تقريباً أو في الفترة التي كنا فيها وخرج قبلنا، ولم يثبت عليه الشيئ الكثير. خرج قبلنا واستشهد، وأنا خرجت في 1991 فوجدته شهيداً، عليه رحمة الله.

أحمد منصور: هل التقيت به في السجن، أم كان في سجن آخر؟

عبد الناصر عيسى: في السجن لم ألتقِ به، لكن كنا نعمل معاً قبل الاعتقال.

أحمد منصور : طيب وائل سوالمة كان واحد ممن كانوا يعملون معك، وقلت إنك حينما خرجت استقبلتك مجموعة متنهم، من هذه المجموعة واصل معك العمل أو بقي على قيد الحياة إلى الآن.

عبد الناصر عيسى: بعضهم بقي على قيد الحياة، بعضهم لم يواصل العمل معي بشكل خاص، مثل الشيخ يوسف السركجي وفهمي أبو عيشة، رحم الله الجميع. هؤلاء كانوا شهداء عظام. أبو عيشة استشهد في بداية انتفاضة الأقصى حين قصفته الطائرات الإسرائيلية، والشيخ يوسف السركجي هو أحد كبار مشايخ نابلس وقادة القسام ومؤسسيه في نابلس والضفة الغربية، وكان مرجعيتي في العمل بعض الحالات.

أحمد منصور: مرجعية شرعية أم تنظيمية؟

عبد الناصر عيسى: مرجعية شرعية وأيضاً تنظيمية وقسامية.

أحمد منصور: استشهد؟

عبد الناصر عيسى: عليه رحمة الله في بداية عام 2001 على ما أعتقد.

أحمد منصور: والشهيد الآخر الذي قصفته الطائرات؟

عبد الناصر عيسى: أيضاً في نفس الفترة، 2001-2002.

أحمد منصور: استشهد الاثنان؟

عبد الناصر عيسى: كل واحد في ظروف مختلفة.

أحمد منصور: هل تستطيع أن تذكر ظروف استشهادهم إذا تذكرها؟

عبد الناصر عيسى: والله كنت في السجن، لم أكن شاهداً مباشراً، سمعت كما سمع الناس فلا أستطيع أن أكون شاهداً مباشراً، لكن الشهيد فهمي أبو عيشة، رحمه الله، كان إنساناً مجاهداً مقداماً، حاول توصيل استشهادي لتنفيذ عملية استشهادية في قلب تل أبيب، ولكن أثناء ذهابه لتنفيذ العملية لاحقته طائرة أباتشي إسرائيلية وقصفته وقتلته ومن معه، رحمهم الله جميعاً.

أحمد منصور: يعني رصدوهم وقتلوهم؟

عبد الناصر عيسى: كأنهم رصدوا بعض المكالمات. أحياناً كان الشباب يستطيعون التملص من الرصد، لكن هذه المرة لم ينجحوا.

أحمد منصور: وأنا أدرس هذه المرحلة رصدت ذلك كثيراً ..

عبد الناصر عيسى: لكن هذه مرحلة متأخرة، لا نريد أن نقفز إلى مرحلة عام 2000.

أحمد منصور: لا، أنا لا أتحدث عن مرحلة 2000.

عبد الناصر عيسى: هؤلاء ذكرتهم من باب أنهم كانوا في الفترة من 1991 إلى 1993 من الرواد في العمل العسكري.

أحمد منصور: لأن كثيراً من الشهداء لم يذكرهم أحد، وقاموا بأعمال كبيرة جداً، ولهذا سأقف معك عند بعض الشخصيات.

عبد الناصر عيسى: الله يعلمهم.

أحمد منصور: رحمهم الله. أريد العودة إلى الفترة من 1991 إلى 1993، في هذه الفترة توسع العمل العسكري وبدأ ينتظم بشكل أساسي. حينما جلست مع زاهر جبارين تحدث عن ما أطلق عليه هيئة أركان القسام في الضفة الغربية، وقال إن المجموعة الأساسية بدأت في تلك المرحلة وفي تلك المنطقة، لأن الضفة الغربية مساحتها كبيرة جداً، فكانت كتائب القسام مقسمة على المناطق. وقال إن صالح التلاحمة وعبد الناصر عيسى، حتى أنه أطلق عليك اسم عقل القسام الاستراتيجي، هذا ليس من عندي، وأيضاً محمود عيسى وأبو حذيفة عبد الحكيم حنيني. نحن سجلنا مع عبد الحكيم حنيني شهادته على العصر. قل لي كيف تشكلت الكتائب، لأنك كنت المسؤول عن التوريد، كنت رئيس الكتلة الإسلامية في الجامعة، وتجند وترسل، فحدثني عن هذه الفترة، لأنه من الناحية التاريخية من المهم الحديث عن فترة مر عليها الآن حوالي خمسة وثلاثين عاماً. كيف كانت كتائب القسام منذ خمسة وثلاثين عاماً؟ وكيف أصبحت على ما هي عليه اليوم؟

عبد الناصر عيسى: بدأت بالفعل بجهود إخوة مخلصين من أبناء حماس والإخوان المسلمين، إخوة عاديون لديهم الإيمان والشجاعة والإقدام، لا يحسبون الكثير من الحسابات. أحياناً المسألة تتطلب قرارات جريئة ومغامرة معينة، ولكن ليس تهوراً. نحن تحت احتلال، وحركتنا إسلامية مقاومة ومجاهدة، علينا أن نعمل. كانت الجهود فردية من كوادر الحركة، بدأت هكذا، ثم تحولت في لحظة معينة إلى قرار أوضح. هؤلاء الإخوة الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام كانوا بمثابة هيئة أركان، كل واحد مسؤول عن منطقة محددة، وبدأوا بالتنسيق فيما بينهم، واعتمد هذا الأمر لاحقاً من قيادة الحركة التي أعطت عدة مرات الضوء الأخضر للمجاهدين للعمل.

أحمد منصور: صالح التلاحمة، يعني شخصية قامت بدور تاريخي، كان مهندساً متخصصاً في الهندسة الكهربائية، جند مع يحيى عياش في بير زيت، وكان مسؤولاً عن العمل العسكري في جنوب الضفة الغربية، وظل يعمل حتى استشهد في عام 2003. أنت كنت قريباً منه في الدائرة التي تعمل معها؟

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: قل لنا، عرف المشاهدين بهذه الشخصية.

عبد الناصر عيسى: الشهيد صالح التلاحمة، عليه رحمة الله، كان شهيداً كبيراً وعظيماً من شهداء القسام ومن شهداء فلسطين. لقد تشرفت بلقائه في السجن، أما خارج السجن في الاعتقال الثالث الذي كان في عام 1993 تقريباً، وأعتقد في 1992، التقيت به، لم يكن حينها مكشوفاً، أي كان يعمل بالخفاء، ولم يكن بيني وبينه علاقة عسكرية مباشرة، كنت أعرفه فقط.

أحمد منصور: علاقته مع زاهر كانت؟

عبد الناصر عيسى: علاقته مع زاهر، زاهر كان دينامو، يعني كان ينسق بين الناس.

أحمد منصور: ما أهم الصفات الشخصية التي تعرفت عليها فيه في السجن أو سمعت عنها من الآخرين؟

عبد الناصر عيسى: كان له لجنة ثقافية، وكان خطه جميل، وكان عاملاً نشيطاً صامتاً يعمل بصمت، ومعطاءً دائماً في خدمة إخوانه.

أحمد منصور: قصة استشهاده، تعرف شيئاً عنها رغم أنك كنت في السجن؟

عبد الناصر عيسى: كنت في السجن، ولم أكن شاهداً عليه مباشرة، لذلك أفضل ألا نتحدث بما لم نشهد عليه.

أحمد منصور: هو اعتقل في أكتوبر 1993، سُجن سنة ونصف، تحرر من الأسر وعاد للعمل العسكري. هذه ظاهرة أريد أن أفهمها منك، لأنك كنت تقوم بها: أن أحدكم يعتقل لعام أو لعامين أو ثلاثة أعوام ويخرج كأن شيئاً لم يحدث، مصراً على الاستمرار والعودة للعمل العسكري مرة أخرى، رغم صعوبة ما يلقاه في سجون الاحتلال.

عبد الناصر عيسى: والله، هذا الكلام تحليلي، لكن فعلاً هي ظاهرة غريبة بعض الشيء على البعيد. لكن نحن تحت احتلال عسكري ظالم مجرم يقتل ويدمر ويدنّس أرضنا ومقدساتنا، وهذا الاحتلال هو الذي يعطينا الدافع. أنت لا تستطيع أن تعيش في ظل هكذا ظلم وإجرام واستبداد. بعض الناس يعيشون في ظروف مشابهة لكن يرضون بالواقع، نحن الحمد لله، رب العالمين جعلنا من الذين لا يرضون الذل والهوان، ويتحركون وينظمون أنفسهم، ومستعدون لدفع أثمان باهظة في سبيل ذلك. هو الإيمان، هو الإصرار، هو الاستعداد للتضحية بأي ثمن في مقابل عزة وكرامة الإنسان.

أحمد منصور: أيضاً، هناك ظاهرة لدى حركة حماس منذ بداية تأسيس الجهاز العسكري وحتى طوفان الأقصى، وهي أن من في الخارج لا ينسى الأسرى، بل يحرص دائماً على تنفيذ عمليات من أجل تحرير الأسرى. في 13 سبتمبر 1992، اختطفت حركة حماس الجندي نسيم توليدانو، وطلبت في المقابل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، وعندما رفض رئيس الوزراء رابين الطلب، قتلت حماس هذا الجندي وألقت جثته في الطريق. هل شاركت في هذا الموضوع؟

عبد الناصر عيسى: كنت في هذه الدائرة، لكن لم أشارك بشكل مباشر، ولم يكن عندي علم إلا بعد أن تمت المسألة. كانت مبادرة من القائد الكبير محمود عيسى ومجموعته: ماجد أبو قطيش ومحمود عطون وموسى عكاري. كانت في البداية مبادرة فردية منهم، محمود كان أحد كوادر الحركة الاسلامية في منطقة القدس، بادر في البداية لحاله يعني مبادرة فردية، ثم انتظم مع بداية تشكيل كتائب الشهيد عز الدين القسام مع الأخ زاهر أبو إسلام.

أحمد منصور: زاهر جبرين حدثني عن محمود عيسى، محمود عيسى لا يزال في سجون الاحتلال إلى الآن.

عبد الناصر عيسى: نعم، هو الآن دخل، أظن، في العام 32.

أحمد منصور: هو الذي يليك في عدد السنوات ؟

عبد الناصر عيسى: هو تراكمياً أكثر مني، أعني متتالي أكثر مني. أنا 30، هو 32، لكن تراكميّاً كل الحبسات أنا أكثر منه.

أحمد منصور: أنت 34 سنة.

عبد الناصر عيسى: نعم، 34.

أحمد منصور: هو 33 سنة.

عبد الناصر عيسى: 32 سنة.

أحمد منصور: 32.

عبد الناصر عيسى: ربما دخل في 32، على ما أعتقد، في شهر سبعة أو شهر ستة.

أسباب اختطاف نسيم توليدانو
أحمد منصور: فكرة اختطاف نسيم توليدانو، كما قال لي زاهر جبرين -على فكرة، الاسم الحقيقي هو جبرين، الكل يخطئ في اسمه يقول زاهر جبارين. وأنا قلت له يعني كيف تركهم، قال أنا وجدتهم يقولون زاهر جبارين فتركتهم ولم أسع لتصحيحه

عبد الناصر عيسى: نعم، ما زال جبرين.

أحمد منصور: زاهر جبرين هو رئيس مكتب حماس في الضفة الغربية الآن، يقول إن محمود عيسى كان يعمل في صحيفة “الحق والحرية” في الداخل، وقام بتغطية وقفة تضامنية مع الشيخ أحمد ياسين، ولكن نتيجة ضعف المشاركة في التغطية، لم يشارك الناس، فقرر تنفيذ عملية خطف من أجل إثارة قضية الشيخ أحمد ياسين. هذه النقطة تبرز مكانة الأسرى لدى مجاهدي الخارج.

عبد الناصر عيسى: نعم، الخارج، خارج السجن؟

أحمد منصور: خارج السجن بالطبع، الناس عملوا حرباً ليُخرجوك …

عبد الناصر عيسى: الحمد لله، ربنا يثبتنا ويثبتهم، ويجزيهم الخير وبارك الله فيهم، وتحديداً إخواننا الكرام العظام في قطاع غزة.

أحمد منصور: أنت خرجت في 28 فبراير 2025، يعني أنت من أحدث المفرج عنهم.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: أنت آخر دفعة حتى هذه اللحظة ونحن نسجل.

عبد الناصر عيسى: نحن آخر الناس.

أحمد منصور: لسه نتنياهو تراجع بعدها، وأنت رفضوا إخراجك في صفقة وفاء الأحرار في 2011 بسبب الحجم؟

عبد الناصر عيسى: وكانوا على وشك أن يرفضوا الإفراج عني في هذه الصفقة أيضاً.

أحمد منصور: الصفقة… سنأتي لها بالتفصيل.

عبد الناصر عيسى: الفضل لله سبحانه وتعالى ولصلابة قيادة المقاومة.

أحمد منصور: سنأتي لها بالتفصيل. قل لي هذه النقطة تحديداً: وأنت أسير في الداخل، وتشعر أن من في الخارج لم ينساك، بل حتى أن خطف نسيم توليدانو كانت البداية في عملية التبادل؟

عبد الناصر عيسى: لا، قبلها كان مجموعة من مجموعة أبو نمر شراطحة وآخرون.

أحمد منصور: اذكر لنا ذلك.

عبد الناصر عيسى: وآخرون خطفوا، كنت أنا في السجن في الحبسة الأولى في عام 1989، حيث تم خطف الجندي إيلان سعدون وآفي سسبورتس. أولاً كانت مجموعة من غزة قامت بخطفهم وطالبت بالإفراج عن الأسرى وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين. هذه كانت أول عملية خطف خرجت من قطاع غزة.

أحمد منصور: وثاني عملية نسيم توليدانو؟

عبد الناصر عيسى: ممكن تكون ثاني عملية، لأنه حصل أكثر من محاولات خطف لم يلق الضوء عليها، لكن هؤلاء هم الذين أعرفهم.

أحمد منصور: الحقيقة أنا أجمع من الكتب مربعات صغيرة جدًا، لم أجد رواية كاملة عن كل شيء.

عبد الناصر عيسى: لأنه لم يكن عندنا مركز.

أحمد منصور: بنحاول أن نقدم رواية متقاربة.

عبد الناصر عيسى: لم يكن لدينا مركز واحد يدير كل العمل، كانت هناك مراكز متعددة، وأحيانًا أقل من مركز، تكون خلايا متعددة تقوم بها. كان في البدايات حاجة كبيرة جدًا للاقدام والمبادرة.

أحمد منصور: هذا لنفهم طبيعة المقاومة في تلك المرحلة، أنها لم تكن تقتضي عملًا جماعياً في كل مكان، وإنما ترك…

عبد الناصر عيسى: لم نكن ننتظر الأوامر.

أحمد منصور: أيوه، هذه مهمة. خلاص، أنت عرفت دورك ولا تنتظر الأوامر، متى تتوفر الإمكانيات والقدرة تقوم بعمليات.

عبد الناصر عيسى: تربيتنا كانت على الإقدام: إن لم تكن للحق أنت فمن يكون؟ كانت تربيتنا على المبادرة. أحيانًا في حالة ضعف المؤسسة أو عدم وجود مؤسسة، يأتي دور العمل الفردي المبادر الواعي، ليس العشوائي، بل العمل الواعي والشجاع الذي يبادر.

أحمد منصور: معك حق، أنت رجل مركز دراسات وأبحاث، فأريدك أن تركز على النقطة هذه، لأن كثير من الناس يهربون من أداء المسؤولية بحجة أنه لا يوجد عمل في المرحلة، فيظل كل واحد نايم ينتظر قيادة توجهه.

عبد الناصر عيسى: وسبحان الله، المبادرون في المجتمعات عامة قليلون جدًا. في تلك المرحلة، كأن التربية التي قام بها الإخوان المسلمون أثمرت، وأوجدت رواحل، أي المبادرين، الذين بادروا وأسسوا العمل العسكري لكتائب القسام ولكتائب المقاومة الفلسطينية عامة. أعتقد أن هذا أحد أسرار وجود رواحل أكثر في تلك المرحلة. اليوم، في الضفة الغربية مثلاً، حيث المؤسسة ضعيفة والملاحقة وأجهزة الأمن المحلية والإقليمية والدولية ناجحة، الآن يبرز دور المبادر، على سبيل المثال مايسمى الذئب المنفرد. المؤسسة تعاني من مشاكل في التواصل والوصول إلى الميدان، فيأتي دور الشاب المجاهد المبادر، الذي يعرف التوجهات والسياسات من خلال مواقف القادة وفهمه لموقف المقاومة ويعمل بمفرده، وأحيانًا يكون العمل الفردي في ظروف أمنية صعبة أفضل من العمل الجماعي. وهذا ما حدث معنا في مرحلة عرين الأسود وكتائب المقاومة في فلسطين، وخاصة شمال الضفة.

إبعاد قيادات حماس إلى مرج الزهور المحنة التي تحولت إلى منحة
أحمد منصور: بعد فشل عملية توليدانو، أصيبت إسرائيل بالهلع الشديد، وحدثت ردود فعل قاسية، فاعتقلت المئات من قيادات حماس، لا سيما وأن القيادات التاريخية لم تكن تظهر في الصورة في ذلك الوقت. في 17 ديسمبر 1992، بعد عملية توليدانو بحوالي شهرين، قامت إسرائيل بالقبض على المئات من قيادات حماس، وأبعدت 415 من القيادات والإسلاميين بشكل عام، حتى من تنظيمات أخرى، إلى مرج الزهور في جنوب لبنان لمدة عام عقاباً لهم. كيف رصدت هذا وأنت خارج السجن؟

عبد الناصر عيسى: كنت في الجامعة وكنت أميرًا للكتلة الإسلامية في تلك المرحلة. بالطبع، كان هناك حملة اعتقالات. يومها، بعد اختطاف توليدانو، كان الشعب الفلسطيني كله متفاعلاً، وتوقعنا حملة اعتقالات. في اليوم الثاني، 12/12 تقريبًا، خرجنا إلى الشوارع، نعلن فعاليات الانتفاضة ونعززها، ونمارس بعض النشاطات ضد الاحتلال. كنت أنا في إحدى المرات أعود الساعة 12 منتصف الليل، في النشاط الجهادي، كنت ملثمًا وخارجًا مع الإخوة.

أحمد منصور: كنتوا بتعملوا ماذا؟

عبد الناصر عيسى: كنا نضرب الحجارة، نعم، رغم أننا بدأنا بالعمل العسكري. أحيانًا كان معنا سلاح بسيط، نخرج لنستعرض قوتنا، خاصة في حالات المشاكل الداخلية الفلسطينية، نستعرض قوتنا ضد الاحتلال فقط، ليس ضد أحد آخر. فأنا بدل ما أروح على الدار قلت يمكن في اعتقالات الليلة أكيد في اعتقالات. فأنا روحت على دار جدي على بعد حوالي 200 متر ..في زقاق هكذا.

أحمد منصور: كنت عند جدك؟

عبد الناصر عيسى: نعم، جدي لم يكن على قيد الحياة.. كنت عند دار جدتي، رحمة الله عليها. ذهبت هناك لأهرب من احتمالية الاعتقال، لأن المنزل عندي كان مكشوفًا. رحت ونمت، ولم أحكِ لأحد، إلا الساعة 12 منتصف الليل، طرق الباب، فوجئت بوالدي رحمة الله عليه على رأس القوة العسكرية. كان أحيانًا بعض الأهالي يريدون أن يُعتقل أبناؤهم لتجنب المطاردة، أن يكون معتقلاً أفضل من أن يكون مطارد. والدي، رغم أنه مناضل كبير، فهم الوضع أفضل مني.

يعني النتيجة كانت موقفه فيها ممتاز، لكن أنا تفاجأت أنه كان مع الجيش قال لي أطلع معهم، كم يوم ويتركوك، هيك هيك حكوا لي، وأنا طبعا كنت بدي أهرب لكن هي الحمد لله جاءت لخير عظيم.

أحمد منصور: إذاً لم تعد مطاردًا، دخلت وطلعت؟

عبد الناصر عيسى: دخلت السجن، وبقيت أعمل. والدي ساعدنا من حيث لا يشعر، رحمة الله عليه.

أحمد منصور: هذه كانت بعد مرحلة خطف توليدانو؟

عبد الناصر عيسى: نعم، مرحلة الخطف. عند دخولي السجن، كان معي الكثير من الإخوة الذين تم إبعادهم. لم يحققوا معنا، فقط جزء منهم لديهم معلومات مباشرة، نحن لم يكن لدينا معلومات مباشرة، كنا نعمل عملاً سريًا تمامًا، لا يعرف به أحد. وكانوا يبحثون عن الجندي نسيم توليدانو، دخلت سجن الفارعة، وكان هناك برد شديد ومطر، كنا ننتظر، مكثنا حوالي 12 ساعة في الباص.

أحمد منصور: من قابلت في السجن في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى: قابلت عمر دغلس، أحد الإخوة، ومعزوز دلال من قلقيلية، هؤلاء الشهداء رحمة الله عليهم، تم إبعادهم جميعًا.

أحمد منصور: إلى مرج الزهور؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كان نائمًا عندنا في خيمة مهترئة، المطر ينزل علينا، نتغطى على المشكاح، وكان جانبي عمر دغلس، وعلى الجانب الآخر معزوز دلال، رحمة الله عليه. الساعة تقريبًا الثانية أو الثالثة بالليل، جاء شخص يقول: “أبو حذيفة، اطلعوا!”، فقلت له: “والله لا أعلم، ربما تحقيق”، فقام وطلع، وبعد أيام علمت أن هذا كان سحبنا للإبعاد.

أحمد منصور: إبعاد…

عبد الناصر عيسى: أبعاد… سحبوا من الخيم التي كنت فيها حوالي ستة أو سبعة إخوة، ومن الخيم المجاورة عدة إخوة، فتبين أنه كان إبعاد. ولما استقبلنا الإبعاد، أي آخر أيامنا في اليوم الخامس في السجن، لم يكن لدينا لا راديو ولا تلفزيون ولا أي وسيلة اتصال. سمعنا من أحد الإخوة القادمين الجدد أنه تم إبعاد 450 شخصًا، فقلنا لهم: هذا مستحيل، غير معقول، كيف 450؟ كان هذا العدد مهولًا، إذ لم نكن متعودين عليه، كنا متعودين على إبعاد اثنين، ثلاثة، خمسة فقط. لكنها كانت ضربة قوية، ظن خلالها رابين أنه سيقضي على المقاومة ويقضي على حماس. كانت ردة فعله عنيفة، لكنها جاءت على رأسه كما يقال، الحمد لله رب العالمين.

أحمد منصور: في عام 1992، أي قبل 33 سنة تقريبًا مما نحن فيه الآن، أبعد الآخرون وأنت بقيت.

عبد الناصر عيسى: الحمد لله.

أحمد منصور: الآن، أنت خرجت من السجن في 28 فبراير 2025، وأبعدت.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: شعور الإبعاد كان كيف؟

عبد الناصر عيسى: الإبعاد شعور صعب جدًا، صعب للغاية. أنت تُبعد عن وطنك وعن أهلك، عن وطنك الذي تدافع عنه، وكنت مستعدًا أن تدفع حياتك في سبيل القدس والأقصى وفلسطين وكرامتك، والآن تُبعد عنه. هذا شعور صعب جدًا، ولولا أن أهلك أبعدوني عنك، ما خرجت. نحن هذا حالنا كحال النبي صلى الله عليه وسلم الذي أبعد عن أهله وعن بلده قسرًا وظلمًا وطغيانًا، ثم عاد. نسأل الله تبارك وتعالى أن نعود كما عاد النبي صلى الله عليه وسلم.

أحمد منصور: فترة مرج الزهور، رغم أنها كانت في ظاهرها عملية قاسية جدًا، وكما قلت، كانت صعبة ضد قيادات الحركة الإسلامية والشخصيات التي أخرجت، لكنها نقلت القضية الفلسطينية إلى العالم أجمع خلال عام كامل.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: كيف كانت إيجابية؟ إسرائيل أرادت منها السلبية، وكيف تحولت إلى إيجابية للحركة؟

عبد الناصر عيسى: تحولت إلى إيجابية على عدة مستويات. أذكر مستوى بسيط قد لا ينتبه إليه الناس، وهو أن خروج بعض القيادات جعل الإخوة الذين بقوا في الأسر يملأون الفراغ. كنا نحن من ملأوا هذا الفراغ في الجامعة، وقمنا بالكثير من النشاطات: توزيع البيانات، توزيع المجلات. الحركة الدعوية كانت مضروبة، فكان لدينا في الجامعات وسائل للتواصل. جامعة النجاح مثلاً كان فيها طلبة من نابلس، جنين، الخليل، القدس، غزة، رفح، خان يونس، من كل مناطق فلسطين. كنا نرسل المجلة، على سبيل المثال مجلة فلسطين المسلمة، من خلال الطلاب لنوزعها على كل المناطق. كان هناك تعميمات دعوية وداخلية، وكنّا نوصلها للطلاب والعناصر، وأحيانًا كان مسؤول الدعوة في المنطقة يعتمد على الطلاب لنقل التعميمات، لأن الطلاب أنشط وأسرع. فكنّا نخفف عنهم هذا العبء.

على المستوى السياسي العام للحركة، نقلت القضية الفلسطينية نقلة نوعية في الإعلام الدولي وفي الأجندة العالمية. كما كانت فرصة لاجتماع كل قادة الحركة الإسلامية، وهو حدث نادر لم يحدث إلا في مرج الزهور، حيث اجتمع قادة العمل الإسلامي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، تعرفوا على بعضهم، وتدارسوا خططهم، وتقدمت المواقف، وتعرفوا على قادة الحركة الإسلامية في لبنان ومناطق أخرى من العالم العربي والإسلامي، اجتمعوا، تعارفوا، تدارسوا، وتعلموا، خططوا، وتقدموا.

أحمد منصور: كانت مرج الزهور منحة، وليست محنة؟

عبد الناصر عيسى: كانت منحة، نعم.

أحمد منصور: من حيث الشكل كانت محنة.

عبد الناصر عيسى: نعم، ظاهرها محنة، لكنها حقيقتها كانت منحة من الله سبحانه وتعالى.

ظاهرة صناعة القادة في حماس
أحمد منصور: في الظاهر، شيء يميز حماس دون غيرها من حركات التحرر عالميًا، وهو حجم التوالد الكبير في القيادات. فالحركة فقدت قيادات، لكنها لم تتأثر، بل استمر نموها، سواء كانوا شهداء مثل الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي، أو قيادات أخرى، وحتى في الحرب الأخيرة في غزة، لم تستطع إسرائيل أو أمريكا أو الداعمون لها حسم الوضع.

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: فسر لنا هذا للمشاهد.

عبد الناصر عيسى: حركة حماس، كحركة مقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، هي حركة الشعب الفلسطيني بأكمله. الشعب الفلسطيني لا يقبل الهوان. حركة حماس وكتائب عز الدين القسام عنوان المقاومة الحقيقي، لذلك تجد غالبية أبناء الشعب الفلسطيني مستعدين للقتال تحت صفوفها. فيما يخص القيادات، أن هذا كان أحد أسباب التربية التربوية التي استمرت فترة ممكن طويلة ولكنها يعني كانت مثمرة جدا، أنتجت قيادات وكوادر استمروا في العمل والتخطيط والتجدد. استمروا لسنوات طويله جدا. هذا قد يكون سر، أولا أنها حركة شعب كامل بأكمله يحب المقاومة، ثانيا أن المنهج التربوي للإخوان المسلمين قد اتى أكله وثماره ..أن فترة التربية هذه انتجت رواحل فعلا استطاعوا أن يستمروا حتى اللحظات الأخيرة على سبيل المثال أخونا أبو إبراهيم

على سبيل المثال، أخونا أبو إبراهيم، يحيى السنوار، هو من نتاج التربية في أعوام 83 و84 و85، والعديد من قيادات العمل الإسلامي هم كذلك. نسأل الله الثبات، هذا أحد أسباب استمرار الحركة رغم الحرب ومحاولات الإبادة، والله يحفظ المجاهدين والمقاتلين في قطاع غزة وفي كل أنحاء فلسطين.

بدء العلاقة بين حماس وحزب الله وإيران
أحمد منصور: في فترة مرج الزهور، بدأت علاقة حركة حماس مع حزب الله وإيران، هل عندك معلومات؟

عبد الناصر عيسى: نعم، بعض المعلومات من خلال الإخوة الذين عادوا من الإبعاد. التقوا بقيادات حزب الله وتعرفوا عليها، وكانت البداية، لكن بدون تفاصيل دقيقة. بعضهم تدرب على السلاح، وبعضهم لم يعد من مرج الزهور، مثل عمر دغلس رحمه الله.

أحمد منصور: انتهت مرج الزهور بعد عام تقريبًا، ورجع المبعدون، كيف كان الوضع في الضفة الغربية في تلك الفترة؟ وما الذي استفدتموه أنتم في الداخل؟

عبد الناصر عيسى: عودة المبعدين أمدت الحركة الإسلامية بقيادات أكثر وعيًا وإدراكًا للأمور، وأكثر إصرارًا على مواصلة الكفاح والنضال. كان هناك فهم مشترك للهدف، وهو أن تعرف ما تريد، ثم توكل على الله. بعد مرج الزهور، أصبحت أهداف الحركة أكثر وضوحًا وتنظيمًا بين المناطق: غزة، الضفة الغربية، القدس.

أحمد منصور: أوجز لي هذه الأهداف بوضوح بعد عودة المبعدين، كيف أصبحت الأهداف واضحة؟

عبد الناصر عيسى: الأهداف تمثلت في الإصرار والتركيز على العمل الجهادي المسلح، وتثبيت الفهم على قدرة تحرير فلسطين من الداخل، على الأقل الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بالقدرات الذاتية كمقاومة فلسطينية بقيادة كتائب القسام. البعض يعتقد أنه يمكن تحرير فلسطين بالكامل بمجهود فلسطيني فقط، والبعض يرى أنه يحتاج دعمًا خارجيًا، وهذه وجهات نظر تختلف باختلاف التحليل.

أحمد منصور : المثبطون يا أخي يقولون كيف لناس يقاوموا بحجارة وعلى ما يجيبوا ثمن قطعة سلاح يكون الدنيا جرى فيها إيه؟ كيف لهؤلاء أن يقاوموا دولة مثل إسرائيل تملك قنابل نووية؟

عبد الناصر عيسى: هذا كلام مع احترامي يعني كلام الذي لا يريد أن يعمل نحن تحت احتلال .

أحمد منصور : كنتم بتسمعوا هذا وقتها.

نعم كنا نسمع هؤلاء دول مش قادرة على إسرائيل إنتم بدكم تقدروا عليهم، حتى بعض الختيارية عندنا الله يجزيهم الخير كان بعضهم يعني يحكي لنا هذا الكلام.. بعضهم يعني حتى من داخل المجتمع الفلسطيني، ومن خارجه أكثر إنه شو بدكم تعملوا مع دولة نووية هاي العالم معها.. كنا نقول لهم نحن نستطيع وفعلا نحن نستطيع. ثبت أننا يمكننا أن نفعل ذلك، إذا كان عندنا أحكام وذكاء في مقاومتنا. يعني ممكن أنا من الذين يعتقدون أن تحرير فلسطين بالكامل بحاجة إلى عون من الخارج بشكل أو بآخر، ولكن تحرير جزء من فلسطين على الاقل الأراضي المحتلة في العام 1967 يمكن أن نقوم بهذا وحدنا كفلسطينيين كمقاومة فلسطينية يقودها القسام هذا ممكن جدا.. وبعضنا يعتقد أنه يمكن أن نحررها تماما دون أي مساعدة من الخارج بعضنا يعتقد ذلك وهذه وجهات نظر تبقى للتاريخ…

الشكل التنظيمي لكتائب القسام
أحمد منصور: الجهاز العسكري لحماس في تلك الفترة، من 1991 إلى إبريل 1993، وأنت كنت رئيسًا للكتلة الإسلامية في جامعة النجاح. كيف تبلور الشكل التنظيمي للمجموعات المسلحة؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين انضموا لكتائب القسام في ذلك الوقت؟

عبد الناصر عيسى: في تلك المرحلة انضم بعض الإخوة مثل أحمد مرشود رحمه الله، الذي استشهد في العام 2001.

أحمد منصور: قل لنا من هو أحمد مرشود؟

عبد الناصر عيسى: انضم أحمد مرشود وساهر التمام على سبيل المثال، حتى لا ننسى أحدهم. كما انضم الأخ رسلان ذوقان، وكان له دور في الدائرة على مستويات مختلفة. بعض الإخوة شاركوا بشكل محدود، وبعضهم بشكل أكبر. أحمد مرشود كان أحد الإخوة المجاهدين الكبار، يعمل في كافة المستويات، وكان مسؤولًا عن السيارة المفخخة التي قادها الاستشهادي الأول الفلسطيني، ساهر التمام من مدينة نابلس.

الاستشهادي الأول في حماس
أحمد منصور: ساهر، أنت جندت ساهر التمام؟

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: كيف جندته؟

عبد الناصر عيسى: ساهر كان يأتي دائمًا إلى المسجد الذي كنا فيه، يقترح ويريد العمل، وكان متحمسًا جدًا. وكان من عائلة محترمة جدًا.

أحمد منصور: كان من عائلة ثرية؟

عبد الناصر عيسى: نعم.

أحمد منصور: أبوه كان لديه تجارة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كان جميلاً، لديه شاحنات وأعمال مختلفة.

أحمد منصور: إذن كان لديه كل متاع الحياة الدنيا، ومع ذلك كان مصممًا على العمل الجهادي.

عبد الناصر عيسى: نعم، رغم أنه كان صغيرًا، 22 سنة، لكنه كان عظيمًا في أعماله، اندفاعه نحو العمل الجهادي كان كبيرًا، يذكرني بعماد عقل من أشد مقاتلي القسام إقدامًا وجرأة وشجاعة.

أحمد منصور: إذن كان يريد دائمًا العمل والاستشهاد؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كان دائمًا يجيء ويقول: “بدنا نعمل، بدنا نشتغل، بدنا نستشهد.” في البداية كنت أقول له: “صبرًا، إن شاء الله لاحقًا.” كان يعمل في دائرة العمل الأمني العام، وليس العسكري مباشرة. لكن في لحظة قلت له: “توكل على الله.”

كان زاهر حكي لي إذا في حدا من الاخوة.. المجاهدين بدهم ناس يعني، فعلا

أحمد منصور: كنت تقصد زاهر جبرين؟

عبد الناصر عيسى: نعم، زاهر أبو إسلام. اخترت له ساهر التمام وأحمد مرشود، فهم من خيرة الإخوة، ورغبوا بشدة في العمل في كتائب القسام. زاهر أخذهم ورتب أمورهم للانضمام.

أحمد منصور: وماذا حدث بعد ذلك؟

عبد الناصر عيسى: بعد فترة، جاء أحمد مرشود وساهر التمام إلى الجامعة بينما كنت أصلي صلاة الضحى في المسجد الصغير. جاء ساهر وقال لي: “أبو حذيفة، بدي أحكي معك.” جلست معه في مكان بعيد عن العيون، وسألني عن شخص قام بعملية وقتل مستوطنين، وقال لي: “شو بدو يعمل؟ شو تنصحه؟”

أحمد منصور: ماذا كان يقصد؟

عبد الناصر عيسى: حدثني أنه كان خارجًا بسيارته باهظة للعمل، ومر على مستوطنين مسلحين في الشارع. لحظتها قرر المبادرة، وأخذ سلاحهم لأنهما كانا بحاجة إلى السلاح. ضربهم بسيارته، ثم اضطر للهرب بعد أن أطلقت سيارات مستوطنين النار عليه، وعاد إليّ في الجامعة ليحدثني بما حصل. قلت له: “أنت الآن مطارد، اوعى تتحرك.”

أحمد منصور: يعني هم الآن عرفوا رقم السيارة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كانت سيارة والده، وبالتالي هويته معروفة. قلت له: “أنت الآن مطارد، فلا تتحرك.” الغريب أنه لم يخف، بل انبسط، وكأنها مسؤولية يتحملها بكل اقتدار. أخذته إلى أحد المنازل التي وفرناها له للسكن المؤقت.

أحمد منصور: إذن كانت ظاهرة المطاردين وإيوائهم جزءًا من عملكم؟

عبد الناصر عيسى: نعم، كانت أحد أجزاء عملنا.

أحمد منصور: سنأتي بالتفصيل لاحقًا.

عبد الناصر عيسى: قلت له ذلك، وأبلغت زاهر أبو إسلام عن الأمر، وكان سعيدًا جدًا. فصار لدينا رصيد من المعاملات الجهادية المنظمة، فمثلًا ضرب شخصين من المستوطنين ومحاولة أخذ سلاحهم تُعتبر عملية.

أحمد منصور: هذا ما ذكرته ضمن المبادرة الفردية، إذًا الأهداف كانت واضحة؟

عبد الناصر عيسى: نعم، الأهداف واضحة.

أحمد منصور: لم تكن بحاجة إلى أوامر تفصيلية؟

عبد الناصر عيسى: بالطبع لا. كنت أقول لهم: “اعملوا بوعي، اعملوا ضمن السياسات العامة.” على سبيل المثال، فلسطين قاوم وجاهد، لا تحتاج أوامر تفصيلية. حتى دعم العمل كان أحيانًا من جيوبنا الشخصية، مثل ساهر، وأنا كنت أدفع من جيبي.

ظاهرة الاستشهاديين
أحمد منصور: لاحظت أن معظم هؤلاء، مثل يحيى عياش، كانوا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم.

عبد الناصر عيسى: الحمد لله.

أحمد منصور: حتى الفقراء منهم كانوا يساهمون على قدر استطاعتهم؟

عبد الناصر عيسى: نعم، بعضهم يبيع ممتلكاته، مثل ذهب زوجته، لشراء السلاح والمقاومة، مثل أخونا باسم عيسى على سبيل المثال..

أحمد منصور: إذًا التضحية كانت جزءًا من التزامهم.

عبد الناصر عيسى: صحيح، في بعض المراحل كان لابد من المبادرة ودفع الثمن من الجيب، والله يبارك لهم.

أحمد منصور: أما ساهر التمام، فهو شاب مترف من عائلة غنية، ومع ذلك تفكيره كله كان في الجهاد والاستشهاد.

عبد الناصر عيسى: نعم، هذا هو السر، الإيمان والعقيدة وتربية المساجد.

أحمد منصور: كثيرون يظنون أن الاستشهاديين هم من الفقراء التعساء الذين يبحثون عن خلاص.

عبد الناصر عيسى: هذه محاولة فاشلة لوضع بروفيل واحد، هناك فقراء وأغنياء، شباب وعجائز، من المدن والقرى والمخيمات.

أحمد منصور: الخطوة التالية، ساهر التمام؟

عبد الناصر عيسى: نعم، ساهر التمام وأحمد مرشود كانوا في نفس الوقت.

أحمد منصور: تحولوا من مطاردين، إلى البحث عن وسيلة للمقاومة. كيف انتقلوا إلى استشهاديين؟

عبد الناصر عيسى: أحمد مرشود رحمه الله كان مسؤول المجموعة، لم يستشهد، وبدأ عمله العسكري معنا في منتصف التسعينيات. اعتقل لاحقًا وقضى 7سنوات في السجن، قبل أن يُغتال في عام 2001 بواسطة الإسرائيليين بسيارة مفخخة.

أحمد منصور: ماذا عن صفاته وسيرته؟

عبد الناصر عيسى: شخصية فريدة، دين وأخلاق وأدب، محب للإخوة، دائمًا يقدم الآخرين، ويعمل على شؤون الأسرى حينما استشهد…

أحمد منصور: وساهر التمام أصبح أول استشهادي؟

عبد الناصر عيسى: نعم، هو أول من نفذ عملية استشهادية.

أحمد منصور: في الحلقة القادمة سنتناول قصة استشهاد ساهر التمام كاملة.

عبد الناصر عيسى: إن شاء الله.

أحمد منصور : شكرا جزيلا لك. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم، في الحلقة القادمة إن شاء الله نواصل الاستماع إلى عميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي الأسير المحرر عبد الناصر عيسى أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية. في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.